ابن القلانسي

مقدمة 19

تاريخ دمشق

الكتاب ، من الحوادث المتجددة في الأعمال ، والبحث عن الصحيح منها في جميع الأحوال ، فتركت بين كل سنتين من السنين بياضا في الأوراق ، ليثبت فيه ما يعرف صحته من الأخبار ، وتعلم حقيقته من الحوادث والآثار ، وأهملت فيما ذكرته من أحوال سلاطين الزمان فيما تقدم ، وفي هذا الأوان ، باستيفاء ذكر نعوتهم المقررة ، وألقابهم المحررة ، تجنبا لتكريرها بأسرها ، والإطالة بذكرها ، ولم تجر بذلك عادة قديمة ، ولا سنة سالفة في تاريخ يصنف ، ولا كتاب يؤلف ، وإنما كان الرسم جاريا في القديم باطراح الألقاب والإنكار لها ، بين يدي ذوي العلوم والآداب ، فلما ظهرت الدولة البويهية الديملية ، ولقب أول مسعود نبغ فيها بعماد الدولة بن بويه ، ثم أخوه وتاليه في الولادة والسعادة بركن الدولة أبي علي ، ثم أخوهما بمعز الدولة أبي الحسين ، وكل منهم قد بلغ من علو المرتبة والمملكة ، ونفاذ الأمر في العراق وخراسان والشام إلى أوائل المغرب ما هو مشهور ، وذكره في الآفاق منشور ، ولما علا قدر الملك عضد الدولة فناخسره بن ركن الدولة أبي علي بن بويه بعدهم ، وظهر سلطانه ، وعلا شأنه وملك العراق بأسره وما ولاه من البلاد والمعاقل ، وخطب له على المنابر ، زيد في نعوته في أيام المطيع للّه أمير المؤمنين رحمه اللّه : تاج الملة ، ولم يزد أحد من أخوته : مؤيد الدولة صاحب أصفهان ، وفخر الدولة صاحب الري وما ولاهما ، وانضاف إليهما على اللقب . ولم يزل الأمر على ذلك مستمرا إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجق ، وقويت شوكة الترك ، وانخفضت الدولة البويهية واضمحلت وانقرضت ، ولقب السلطان طغرلبك لما ظهر أمره في العراق ، واجتاح شأفة أبي الحارث أرسلان الفساسيري في أيام الامام الخليفة القائم بأمر اللّه أمير المؤمنين رحمه اللّه ب : السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم ، ركن الدنيا والدين ، غياث المسلمين ، بهاء دين اللّه ، وسلطان بلاد اللّه ، ومغيث عباد اللّه ، يمين خليفة اللّه ، طغرلبك .